الجد الصغير وإرثه العظيم
"أمر آباءنا أن يعلموا أبناءهم، لكي يعرفهم الجيل القادم، أي الأطفال الذين لم يولدوا بعد، ويقوموا ويخبروا أبناءهم، حتى يضعوا رجاءهم في الله، ولا ينسوا أعمال الله، بل يحفظوا وصاياه."
مزمور 78: 5-7
كان جد زوجي، الذي كنا نناديه بمودة "الجد الصغير"، رجلاً رائعاً. كان قصير القامة، لكن قلبه كان من أطيب القلوب التي عرفتها في حياتي. وُلد عام ١٨٩٧، وهو ابن واعظ مينونايتي، ولا زلت أتذكر قصته عن الوقت الذي احتاجت فيه الكنيسة لاختيار أسقف جديد. ولتحديد مشيئة الله، تم اختيار "الجد الصغير" مع أربعة شبان آخرين للمشاركة في القرعة. وغني عن القول، لم تكن القرعة من نصيب جدي - وهو أمر لا أعتقد أنه تجاوزه تماماً. فعندما روى لي القصة، سارع إلى التذمر في سره قائلاً إن الرجل الذي وقعت عليه القرعة لم يكن حتى قادراً على تكوين جملة واحدة! كان رجلاً مجتهداً (أسس متجر "واترلو ستوف شوب" في سن الخامسة والخمسين) يتمتع بحب حقيقي للآخرين، كريم، ومعلم مخلص للكتاب المقدس، يتمتع بروح دعابة آسرة وشعور رائع بالدهشة تجاه العالم من حوله. كان ألطف شخص قابلته في حياتي. لكن حب جدي الصغير وإخلاصه للرب يسوع هما ما أسرا قلبي. وهنا يكمن أساس أعظم درس علّمه بحياته.
التقينا أنا وديف وتزوجنا في جامعة تينيسي تمبل في منتصف السبعينيات. وكحال العديد من الطلاب، لم نكن نملك الكثير من المال. لم نكن نستطيع شراء هاتف، فأعطتنا صاحبة المنزل رقمها في حال احتاجت عائلتاْنا، إحداهما في لويزيانا والأخرى في أونتاريو، إلى الاتصال بنا في حالة الطوارئ. في إحدى الليالي، اتصلت والدة ديف وتركت لنا رسالة. كنا نخطط لاستخدام الهاتف العمومي القريب من شقتنا، لكننا لم نجد عشرة سنتات لإجراء مكالمة هاتفية مدفوعة الأجر إلى المنزل. لن أنسى أبدًا أنني أخذت خمسة سنتات وأربعة سنتات إلى صاحبة المنزل لأرى إن كانت ستستبدلها بعشرة سنتات! بعد التخرج، انتقلنا إلى مسقط رأس ديف، واترلو، أونتاريو، وبدأنا نخدم بسعادة في كنيسة جديدة. عشنا في شقة صغيرة بغرفة نوم واحدة، ولكن سرعان ما كنا ننتظر مولودنا الأول وبدأنا نحلم بشراء منزل لعائلتنا المتنامية. إذ رأى جدنا الصغير حاجتنا، تفضّل مشكورًا بإقراضنا مبلغًا كدفعة أولى، على أن نسدده كلما استطعنا. وبعد أربع سنوات فقط، بدا واضحًا أن جدنا الحبيب، البالغ من العمر 96 عامًا، يستعد للرحيل إلى جوار ربه. ولأنه كان يعلم أن التركة ستطالب بالقرض بعد وفاته، طلب منا زيارته ذات مساء. فذهبنا، وبنظرةٍ لامعةٍ في عينيه، ناولنا سند الدين الأصلي الذي وقّعناه. وقد كُتبت على السند، بخط يده الضعيف، كلمة واحدة: "مغفور له"
كان جدي يعلم أننا لا نملك أي وسيلة لسداد ديننا له. في تلك اللحظة، كان أقرب إلى المسيح من أي شخص عرفته في حياتي. ولأن المسيح لم يكن قادرًا على سداد دين خطيئتي، فقد أحبني وأتمّ ما يلزم منذ سنوات عديدة عندما سفك دمه طواعية على صليب الجلجثة. وهكذا سُدِّد ديني بالكامل.
أريد أن أكون هذا النوع من الأجداد الذين يمنحون الحياة لأحفادي. أتمنى أن أترك في قلوب أحبائي طعمًا حلوًا من محبة الله، ورائحة زكية من نعمة يسوع المسيح في حياتهم. ما زلت أفتقد جدي الصغير، لكنني أؤمن أن هذا الرجل المتواضع، الذي علمني الكثير عن نعمة الله، ينظر إلينا من السماء بفرح إلى إرث الإيمان الذي تركه للأجيال القادمة. أحسنت يا جدي، أحسنت!